دائمًا أفكر في كثافة التجارب التي مررتُ بها في الحياة، فهل التطوّر النوعي يتحكم في ذاكرتنا كما لو كنّا قد قطعنا عمرًا؟
دار بيني وبين أحدهم حوارًا تأمليًا عن عمر الإنسان النوعي (الكيفي) وليس الزمني (الكمي)، كنّا حينها قد توقفنا عند نهاية تجربة خضناها معًا، حيث لا دلائل لشواهدها ولا تنبؤات لمعطياتها، كانت لحظة رقيقة لا تحتمل الوجد، فتسائلتُ بصوتٍ مسموع: هل يتوقف عُمرنا عند هذه التجربة؟ ومالذي لن يتكرر في حياتنا؟ وكيف يمكننا ترك الأشياء إلى الأبد؟
بدأنا نفحص مآلنا سويًا، ومالذي حصل -بالضبط- في عمرنا منذ ولادتنا؟ افترضنا معًا أن يكون لكل واحد منّا تاريخًا يعيشه، ولو افترضنا أن سيرة أحدهم بدأت من عام كذا وانتهت في عام كذا -وهذا ما يحدث بالفعل إذا قرأناها في كتب التاريخ أو السير- فليس مؤكدًا من أن يكون قد عاشها بالفعل كما نتصوّر، لعل المشهد الغائب الذي يستوجب التوضيح أتى به فرويد، في أنه ما إن تتوقف لدينا غريزة الحياة وتبدأ غريزة الموت بالعمل فإن معنى الحياة يتوارى.. وما نعيشه ليس حياة.
قد تعيش عمرًا مقداره (٩٠) عامًا، لكنه توقف عند مرحلة معينة حكمت فيها على نفسك بالنهاية، وعشت احتضارًا طويلًا من بعده كما لو أردتَ حرق نفسك والعالم كله!
كل الأشخاص الذين تحرّكت غرائز الموت لديهم أصبحوا كالفحّامين.
أطلق فرويد نظرية إيروس وثاناتوس عام (1920م) عندما قام بتأليف كتابه (ما وراء مبدأ اللذة – Beyond the Pleasure Principle) وقد اختصر كل الغرائز إلى نوعين:
- غريزة الحياة (Eros): تعمل في البناء والحب.
- غريزة الموت (Thanatos): تعمل على الهدم والكره.
يفترض فرويد أن غريزة الحياة هي محرّك للأفراد وحفظ للنوع، ويُجبر أفراده على كل ما يجعلهم في البقاء، مثل الرعاية، والتعليم، والاهتمام بالصحة والجمال، والسعي نحو التطور والإبداع بكافة الطرق، وتدعم هذه الغريزة مبدأ الرفاهية، والتعاون، والأمان، وتحقيق السلام. والعكس تمامًا لدى غريزة الموت والتي قد تبدو خارجية مثل العدوان، والحسد، والأنانية وغيرها، أو داخلية من خلال كره الذات، وإيذاء النفس.
أين نقف؟ وكيف نبدّل سلوكنا؟
حينما نفشل في صناعة الأمل! سيكون سهلًا علينا بناء الألم (لنا/ داخليًا) أو (للآخرين/ خارجيًا)، إن صناعة كوبًا من الخزف استنهاضًا شاقًا عند عدم الاكتراث لكسره، كم شخصًا استسلم لمشاعر مأساوية لحظيّة، فوجد نفسه يتماهى مع أغنية حزينة أو قصيدة لتصنع مجده! أو وجد نفسه في مكان لا يناسبه أو علاقة سامّة ونحوه.
التاريخ لا يُعيد نفسه، فمن نحن لكي نصنع التاريخ قبل أوانه.
فرويد حينما وضع محددات نفسية لتطوّر الغرائز، استوحاها من البداية والنهاية (الحياة والموت)، وعندما أسهبتُ في سيكولوجية الموت، وجدتُ أن الموت حتمي لا مُحالة.. فلماذا العجلة؟ معظم المنتحرين قد انتحروا لأن غريزة الحياة التي لديهم قد توقفت بالفعل عن العمل، وليست الأسباب منالاً لحتفهم كما نعتقد، قد نجد شخصًا مرّ بانفصالٍ عاطفيّ أو قد فُصل من عمله ولا يزال حيًا، بينما آخرين لم يحتملوا ذلك وقرروا أن يموتوا.
من الآن فصاعدًا، وحينما يخبرك أحدهم أن عمره الزمني هو الرقم كذا، انظر إلى عينيه.. حديثه.. هندامه.. مبادئه.. تعامله مع الآخرين.. تفكيره نحو ذاته.. انفعالاته.. انجازاته وأكثر، كل ذلك يخبرك فيما لو كان يبني أو يهدم، يحب أو يكره، يدعم أو يَخذل.. والكثير من التأملات.
مقال رائع! وحقيقة لا عبرة بقياس العمر بدون اعتبار للتجارب والأحداث.
وتأثير التجارب ليس سواء على كل شخص، فالسمات الذاتية لها حضورها في تلقينا لكل تجربة مايجعل تعاملنا معها فريد. ولعلّ كل مانمر به في حياتنا بوعي أو بلا وعي هي شذرات متفرقة في مجملها ترسم خطًا نحو مانكون عليه والعجيب أننا نسير فيه دون إدراك 🙂
وفيما يخص التجارب فأحمد أمين ذكر أنها تصنع الشخصية في ذاتها وليس ذاكرتها فقط “فكل مالقينا من أحداث في الحياة، وكل خبرتنا وتجاربنا، وكل ماتلقته حواسنا أو دار في خلدنا هو العامل الأكبر في تكوين شخصيتنا. فإن رأيت مكتئبًا بالحياة ساخطًا عليها متبرمًا بها، أو مبتهجًا بالحياة راضيًا عنها متفتحًا قلبه لها، أو رأيت شجاعًا مغامرًا كبير القلب واسع النفس، أو حبانًا ذليلًا خاملًا وضيعًا ضيق النفس، أو نحو ذلك، فابحث عن سلسلة حياته من يوم أن تكوّن في ظهور آبائه”
مبدعة كعادتك يانورة 🧡.
إعجابإعجاب
بعد ما قرأت المقالة جاء في بالي أن غريزة الموت التي تعمل على الهدم و الكره و كل المشاعر السلبية مشاعر سهل الوصول لها و لا تحتاج إلى جهد و لكن من المؤكد علينا عدم الاستسلام لها و أما غريزة الحياة التي تعمل في البناء و الحب و الشجاعة و القوة و المشاعر الإيجابية كلها تحتاج الى جهد و حياتنا تستاهل اننا نجتهد و نعيشها بالشكل الصحيح
و هذا ينطبق بعد على الناس اللي حوالينا لو لاحظنا فيه ناس إيجابية و ناس سلبية فمن اللازم علينا اختيار الناس الايجابية اللي تحب الحياة و أنا اقرأ المقالة جاء على بالي اقتباس يقول “عاشر اللي يزيد حياتك حياة ” اللي حوالينا يأثرون على حياتنا بشكل كبير و الانسان له الخيار بأنه يجتهد لحياته و له الخيار بالاشخاص اللي يدخلهم حياته أما شخص يزيد غريزة الحياة أو شخص يزيد غريزة الموت و اللي يحب نفسه أكيد بيختار الشخص الأول
لازم نجتهد على أنفسنا و نخلي حياتنا فعلًا حياة و نجتهد بإختيار الناس اللي حوالينا عشان يزيدون حياتنا حياة ❤️
كالعادة يا نورة دائمًا ملهمة و مبدعة فكريًا و لغويًا
سابقًا قرأت مقالاتك و الآن بعد ماقرأت هذه المقالة انشحنت طاقة و تحمست أرجع اقرأ المقالات مرة ثانية ! اتمنى مقالاتك تستمر و بانتظار جديدك فخورين فيك يا أقوى نورة الله يوفقك و يزيدك يارب و عقبال اقرأ كتب من تأليفك ❤️
إعجابLiked by 1 person
مقال رائع .. شكرا
إعجابإعجاب