تخطى إلى المحتوى

داروين والوعي الأخلاقي: تأملات في نظريّة التطور.

ألفِتُ الحياة جدًا، دائمًا ما أعتقد بالأشياء التي أفعلها وأعنيها، أقول دومًا للكثير:

أن ثمةَ فكرةٌ لابد أن تبدأ.. بالمزاولةِ لا بالنشوء

عفوًا.. أن نعتقد بها ثم تبدأ بالمزاولةِ لا بالنشوء-لعل هذا ما قصدته..

إن عدم الاعتقاد بالشيء لا يوظفه عيانًا، أو قد يفرضه لحظيًّا، أو يجعل ما نفعله واهنًا.. أو جبانًا.

الوعي لا يتعلّق بسرديّة الحدث؟ أو بالتأمل الخاضع للذاتِ عنوة؟ أو الإفراط في مجالٍ براغماتيّ معقّد؟ إن الثمن الغالي الذي تحمّلناه اليوم يقابل استخفافنا بدروس الحياة، مقدار ما فَتح الأوّل من أبوابٍ نافذة على الآخر.. مقدار ما يجعل مجلسك الواحد مُوحشًا ومُؤنسًا في نفس الوقت، الفكرة التي يغيب فيها الوعي تشبه العشاء في مطعمٍ فاخر، ودفع قيمة يتكرر بَذلها في وقتٍ أصبح التعبير عن الذات تثمينًا للّحظاتِ التي تدفعُنا لصناعةِ ذكرى، إن الكثير من الوعود التي يستوفيها العمر نبرر ضياعها بالخلود، كجماعةٍ لا يعبّروا عن ذواتهم مجرّد ما اُعطوا زمنًا للتصرّف.

لقد كان الوعي منذ تاريخ الفلسفة أرضًا للدراسات اللاحقة، والتي صوّرتها العلوم البشريّة في جوانب السلوك، واستطاع داروين تصويره بجلاء عبر مدركاتٍ (حسّية-شعورية) تنعكس على العقل. فلماذا يموت الإنسان مجازيًا مراتٍ عدّة لغرض العيش أو لفهمِ معنى الحياة معرفيًا؟

في العلوم الطبيعية ينصّ قانون الحركة البراونية على ما يعرف بالانتشار في الفراغ، وهو عبارة عن حركة الجزيئيات في الحيّز الذي تشغله، إننا نقوم بهذا الدور إدراكيًا في داخل العقل البشريّ كل يوم، ولعلنا ننشر أنفسنا مراتٍ عدّة في فراغٍ نسبيّ بحثًا عن ذواتنا، أو نظن أننا قمنا بدورٍ فعليّ لتوطيد وعينا في مجالٍ ما، كل ما في الأمر أننا ننفث في عقولنا أيدولوجيات محوريّة بدأت من الأسفل إلى الأعلى بدورها أن تُجهد أدمغتنا وتكيّفنا في الحياة حتى نحاربها، ثم نجد أنفسنا بعد حينٍ بلا شأن.. إننا وقفنا ضد أنفسنا ذات يوم، فمن يحابي ذواتنا في محكمةِ أنفسنا؟ لا أحد.

يعترض أرسطو على التفسير الذي نظنّه واعيًا والذي يبدأ من الأسفل، فافترض فلسفته في علم الأحياء الكلاسيكي والذي أطلق منها داروين ثورته الفكرية في نظرية العقل: «كيف يبدأ الوعي؟»، إن ما يوجّه الكائن الحيّ هو الغائية، وبدوره أن يقدّم التفسير الواعي نيابة عن كافة الجهود، مثل النباتات التي توجّه أوراقها للشمس بحثًا عن الضوء. إن بقاء النباتات على قيدِ الحياة لا يزال يعمل في التفسير الذي نرصده ظاهراتيًا، لكن البقاء لم يعد هو الهدف الذي يسعى إليه النبات؛ إنه مجرّد شيءٌ يحدث.. وهذا ما أوضحه جون سيرل John Searle في ورقته العلمية التي يناقش فيها (Theory of mind and Darwin’s legacy- نظرية العقل وإرث داروين)، وأضاف: «أن جميع الحالات الواعية ناتجة عن عملياتٍ بيولوجيّة عصبيّة منخفضة المستوى في الدماغ، يتم إدراكها عصبيًا كميزات ذات مستوى أعلى..» هو يقصد أن الأمر لا يتطلب الكثير من الإجهاد لكي تصبح واعيًا.. وهذا هو مبدأ أرسطو في نظرية الأخلاق، الذي يحقق الازدواجية بين الشخصية والشعور ثم العقل نحو التوجه للفضيلة الفكريّة المرتبطة بالعمل.


كن إنسانًا صالحًا فحسب.. وافعل كل شيء متواضعًا لا يجعلك نادمًا ما حييت.

لو أمهلنا الظواهر لحظةً متيقظة، وتسائلنا عمّا جرى؟ وماذا يجري؟ وما الذي سيجري؟ فسنجد أن الوعي يتجسد بما نحسّه ونشعر به، إن الوعي يكمن فيما يجري الآن.

ويدعم تلك الفكرة جالوب Gallup (1970) الذي ابتكر تجربة المرآة، حيث من خلالها تفحّص قرود الشمبانزي أنفسهم، وتبين أن لديهم دراية ومعرفة عن ذواتهم. ونتج عن الحيوانات التي أخفقت في اختبار المرآة أنه ليس لديها عقول!

توالت الدراسات من بعد ذلك.. وتناولت الوعي بالألم والمعاناة لدى بعض الحيوانات ومنها الثدييات، وقد نتج أنها تعرّفت إلى الوعي الذاتي من خلال مستويين: (الحسي-العاطفي).

أخيرًا.. لقد أجمعت النتائج اللاحقة أن الوعي لدى الحيوانات ليس موضوعًا هامشيًا، لقد كان معيارًا قويمًا لقياس فلسفة الأخلاق، وفلسفة العقل، وكل من يعمل في التتبع التجريبي للوعي.

أنت الآن تقرأ هذه المقالة بحواسك، وتشعُر وتفكّر، إذًا أنت واعيًا لذاتك في هذه اللحظة.

وهكذا تصبح الذات مدركة لذاتها، على الأقل في نشاطها العملي، وتكتشف نفسها كسبب من بين أسباب أخرى، وكموضوع يخضع لنفس القوانين مثل الأشياء الأخرى.

جان بياجيه

المراجع:

  • كتاب: في صحبة الوعي – موسوعة بلاكويل عن الوعي. سوزان شنايدر، وماكس فيلمانز.
  • ورقة علمية: Theory of mind and Darwin’s legacy لجون سيرل

أضف تعليق

Goodreads